السبت، 9 يوليو 2011

الزر الاحمر


انتهى الدكتور علاء احد اكبر علماء مصر و العالم فى مجال الطاقة النووية من محاضرته التى كان يشرح فيها كشفه العلمى الذى قام به مع فريقه للاستخدام السلمى للطاقة النووية ..
وبادر الحضور بالقاعة قائلا هل من سؤال ..؟
ساد الصمت لبرهة من الوقت حتى تحدث احد الحضور قائلا..
سيدى ان الكشف العظيم الذى قمتم به لن يمحى و ستكون الفرصة سانحة لتعلمه اليوم او غدا و لكن الفرصة التى نحظى بها الان فى شرف لقاءك هى التى لن تعوض ..
و اننى و بالنيابة عن جميع السادة الحضور ارجوا منك ان تحدثنا عن نفسك و عن كيفية وصولك الى ما انت فيه الان..
ابتسم الدكتور علاء ابتسامة عريضة و تراجع بظهره الى الوراء و شرد بصره الى الاعلى قليلا و صمت للحظات ..
ثم تحدث قائلا ..
الفضل فى كل ما انا فيه الان لله سبحانه و تعالى الذى سخر لى الزر الاحمر ..
علت الاصوات فى القاعة فى القاعة مهمهمة و متسائلة عن ذلك الزر الاحمر ..
قطع الدكتور علاء تللك الهمهمات قائلا نعم الزر الاحمر و لا تتعجبوا من ذلك فأنا اسميها الزر الاحمر ..
اما التجربة فكان اسمها معسكرات تأهيل المستقبل ..
كان لتلك التجربة دور كبير فى النهضة الحديثة للبلاد و التى بدأت منذ العام الفان واثنى عشر و حتى يومنا هذا اى نصف قرن من الزمان ..
قاطعه احد الحضور قائلا و لكن على حد علمى ان تلك التجربة قد الغيت بعد ان باءت بالفشل ..
ضحك علاء قائلا ..
 و هل لو باءت بالفشل كنت انا معك الان ..
لا ايها الزميل الفاضل ان التجربة لم تفشل و لكنها الغيت لعدم الحاجة اليها بعد نجاحها و انتهاء لفظ اطفال الشوارع من قاموسنا المعاصر ..
تصاعدت الهمهمات مرة اخرى متسائلة عن لفظ اطفال الشوارع ..
تابع علاء قائلا ..
كلكم تذكرون ذلك الرجل الذى تولى حكم البلاد فى فترة الاضطرابات الشديدة و عمره لم يصل الى الاربعين ..
تصاعدت الاصوات قائلة نعم قرأنا عنه فى كتب التاريخ..
ضحك علاء ضحكة عالية ..
 قرأتم عنه فى التاريخ..
أى تاريخ هذا الذى يتحدث عن صناعه اسمعوا منى التاريخ..
كنت فى السابعة من عمرى عندما تولى ذلك الرجل حكم البلاد و كنت من اطفال الشوارع ..
اتسول هنا و ارقد هناك ..
تصاعدت صيحات الاستنكار و الدهشة .. !!
ولكن علاء تابع قائلا حتى قابلته ..
كان رجلا بسيطا يجوب الشوارع و الطرقات فى بداية حكمه للتعرف على ما تحتاجه البلاد من أجل اصلاحها و النهوض بها ..
ووجدنى اتسول ونادى على و ذهبت اليه و انا احمل كيس المناديل الورقية لأعطيه اياها فسألنى عن اسمى فأجبته و انا انظر الى وجهه البشوش اسمى علاء..
و لماذا تركت المدرسة ..؟
اننى لم ادخلها اصلا و لا اعرف لماذا ..؟
كل الذى اعرفه ان ابى يعطينا المناديل انا و اخوتى و نخرج منذ الصباح الباكر و لا نعود الا فى المساء بما قسمه الله لنا لنعطيه له مقابل طعامنا ..
ساد الصمت المطبق داخل القاعة و علاء يتابع حديثه قائلا ..
و اخذته الى المنطقة الخربة التى بها العشة الخشبية التى نعيش فيها و التى لا تقى من برد و لا تستر من حر و لا نفع لها ..
سكت علاء ليلتقط انفاسه ..
و تعالت الاصوات تطالبه بالإكمال فتابع قائلا..
و أعطانى الرجل مبلغا من المال ثم تركنى و هو يعدنى بأننى سأكون من افضل الرجال ان شاء الله و لن يكون فى طول البلاد و لا عرضها تكرارا لما رأه عندنا ..
تعجبت من كلامه فلم أكن اعرفه صراحة و لكن معرفتى به جاءت بعد ذلك..
و ستعرفون ما اعنيه بذلك ..
لم يمض اكثر من شهر و أثناء عودتنا فى المساء وجدت ابى سعيدا و أمى تكاد تطير فرحا و سرورا فتعجبنا و قال لنا ابى اخيرا يا اولاد سيكون لنا منزل يؤينا صحنا جميعا فى سرور و رقصنا حتى الصباح الباكر و لم نخرج فى هذا اليوم للعمل فلقد كنا نجهز انفسنا للرحيل ..
و بالفعل جاءت السيارات لتحملنا الى ماكن اقامتنا الجديد قرية فى الصحراء و لكنها كانت مجهزة جيدا فكان لكل اسرة بيت و حظيرة و مساحة من الارض و مخططة جيدا و بها من كل وسائل الاعاشة الكريمة ..
كانت بالنسبة لنا جميعا ارض الاحلام و كان هناك ذلك المبنى الوردى بتلك القبة من فوقه ..
انها المدرسة و تمنيت بداخلى ان التحق بها ..
و استجاب الله لأمنيتى الصغيرة و اتى الينا من يأخذ بيانتنا و يسجلها على جهاز حاسب محمول ..
كان ذلك المشهد بالنسبة لى كأنه رجل قادم من الفضاء الخارجى..
 كما كنت اشاهد فى الافلام الاجنبية على مقهى سلام و التحقت بالمدرسة فى غضون اسابيع قليلة ..
و هنا بدأت حكاية الزر الاحمر ..
وسكت ..
تصاعدت الصيحات تطالبه بالإكمال ..
فقال علاء يا لها من ذكريات رائعة ..
كنا كلنا اطفال شوارع من بيئات مختلفة و كانت لغة الشارع هى اللغة السائدة بيننا و هى الشراسة و العنف ..
 لذا فإن أى معلم سيدخل الينا سيكون صعبا عليه ان يتأقلم معه ..
 فوضعوا على المكتب الخاص بالمعلم صندوقا عليه زر كبير لونه احمر ..
فى حال حدوث مكروه يقوم المعلم بالضغط عليه فيدخل الينا عملاق مفتول العضلات تكفى رؤيته لأن يتملكنا الرعب و الهلع غير ذلك فإننا سندخل الى غرفة الحجز ..
و هى غرفة تقوم بها بكافة الاعمال من نظافة للمدرسة و ترتيب لأدواتها عمل شاق و مرهق تقضى فيه ليلة كاملة فى المدرسة من اجل العمل ..
هكذا انضبطنا ..
بالمناسبة لم نكن وحدنا و لكن اهلنا كذلك يتلقون العلم فى الفصول المسائية لمحو الامية ..
هكذا تابعنا التعليم ..
وكبرت و انا انجح بتفوق حتى انهيت المرحلة الاعدادية بنجاح و دخلت الى المرحلة الثانوية و تفوقت فيها و بالمناسبة ان النظام التعليمى القائم الان هو اول ما طبق علينا ..
 فلقد انتهت الرهبة من الغول المسمى بالثانوية العامة و أصبح التعليم حرا للجميع و بالرغبة المطلقة للفرد فى ان يختار تخصصه الذى يرغب به ..
وكنت من اوائل الثانوية العامة بل الاول و شرفت بمقابلة الرجل الذى كان له الفضل فيما انا فيه الان ..
 كان قد كبر قليلا و لكنه كان كما هو بابتسامته الجميلة التى لا تفارق وجهه ابدا  وما ان رأنى فى الحفل وهو يقلدنى وسام التفوق  حتى تهللت اساريره اكثر و قال لى هل اوفيت بوعدى ..
 و ربت على كتفى بحنان الاب ..
 فقلت له هل تتذكرنى يا سيدى ..؟
فقال نعم انت من احد اسباب تلك النهضة العلمية و ارجو منك ان تواظب على تفوقك فلعلنا لا نلتقى بعد اليوم ..
ارفع رأسك عاليا و تسلح بالدين و العلم تكن افضل الناس و اعمل على رفعة بلادك و تقدمها للأمام ..
سكت علاء قليلا و هو يغالب دموعه التى بدأت تنساب على وجهه  و الجميع ينتظر ان يتابع حديثه ..
لقد أعطانى الرجل دفعة هائلة اصررت معها على التقدم و الالتحاق بكلية العلوم قسم الفيزياء النووية لأحقق الحلم الذى استعدته و اواظب على التفوق لكى التقيه مرة اخرى و لكن القدر لم يمهلنا فلم يمض على لقاءنا الاخير سوى عامين .. حتى وثب الاعداء يحاولون تدمير بلادنا مرة اخرى و لكن هيهات فهذه المرة كان لدينا القدوة و الرمز و تنحى الرجل عن حكم البلاد ليقود الجيش فى المعارك الضارية التى خاضها و اقسم خلالها على استعادة المفقود و أن يرده الينا .. واشتعل الحماس وزاد القتال ضراوة و هدد العدو باستخدام اسلحة الدمار الشامل و لكنه لم يستطع فقضاء الله كان اقوى منه واستعدنا المفقود و فرحنا فرحة عارمة و لكنها لم تدم طويلا فلقد سقط الرمز ..
 سقط الرجل ..
 و غلبه البكاء طويلا و كل من بالقاعة معه حتى تمالك نفسه متابعا ..
سقط شهيدا على عتبات المفقود بأيدى غادرة قذرة ..
و لم يطلب منا انتقاما بل طلب منا حبا و سلاما ..
دعا الله ان يوفقنا و ان نندفع الى الامام و عقدنا جميعا العزم على ان ننهض ببلادنا اكثر و اكثر و ان نحافظ على ما وصلت اليه  و ان ننجح و عاهدته على ان اتفوق و ان انبغ و نجحت فيما عاهدته عليه و انا اليوم اهديه هذا النصر العلمى الساحق ..
 اخوانى ان هذا الرجل ليس تاريخا فقط بل هو رمز و قدوة ..
 رمز للنهوض و العزيمة كان بالنسبة لى الاب الروحى الذى نهض ببلادنا و انتشلنى انا و كثير مثلى من الشوارع لنصبح علماء ومفكرين و أدباء اسوياء نفسيا و ذهنيا فلقد كانت معسكرات التأهيل تهتم بكل التفاصيل و لا تترك شيئا ..
ان ما نحن فيه الأن هو نتاج تمسكنا بديننا و مبادئنا ..
هو نتاج جهد جهيد لرجال اوفياء مخلصون ..
ضحوا بكل شئ من اجل ان نصل الى ما نحن فيه الأن لا بد ان نهتم بدراسة تاريخنا و أن نتذكر كل الشرفاء و نحتفى بهم ليكونوا لنا مصابيح تنير لنا الطريق و يكونوا لأعدائنا زرا احمر ..

                                        تمت بحمد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق